سيد محمد طنطاوي

108

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

النور ، ودعوتهم إلى وحدانية اللَّه وإلى مكارم الأخلاق ، وإقامة التوراة بعد أن اختلفوا فيها . والصفة الثانية من صفاته أنه * ( مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) * أي أنه من المقربين عند اللَّه - تعالى - ويا لها من صفة عظيمة هي منتهى ما تتطلع إليه النفوس وتهفو القلوب . وأما الصفة الثالثة من صفات عيسى - عليه السّلام - فهي قوله - تعالى - * ( ويُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وكَهْلًا ) * وهذه الجملة معطوفة على قوله * ( وَجِيهاً ) * وعطف الفعل على الاسم لتأويله به جائز والتقدير وجيها ومكلما ، والمهد اسم لمضجع الطفل أي المكان الذي يهيأ له وهو في الرضاعة . والكهل : هو الشخص الذي اجتمعت قوته وكمل شبابه . وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوى وتم . والمراد أن عيسى - عليه السّلام - يكلم الناس في حال كونه صغيرا قبل أوان الكلام ، كما يكلمهم في حال كهولته واكتمال شبابه ، فهو - عليه السّلام - يكلمهم بكلام الأنبياء من غير تفاوت بين حالتي الطفولة والكهولة ، وذلك إحدى معجزاته - عليه السّلام - وقد حكى القرآن في سورة مريم ما تكلم به عيسى - عليه السّلام - وهو طفل صغير فقال - تعالى - : فَأَشارَتْ إِلَيْه قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا . وجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ، وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا . والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . أما الصفة الرابعة من صفاته - عليه السّلام - فهي قوله - تعالى - * ( ومِنَ الصَّالِحِينَ ) * أي عباد اللَّه الصالحين لحمل رسالته وتبليغها للناس . أو من الذين يصلحون ولا يفسدون ويطيعون اللَّه - تعالى - ولا يعصونه ، قالوا : ولا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا إذا كان في جميع الأفعال والتروك مواظبا على المنهج الأصلح ، وذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا ، في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح ، ولذا قال سليمان - عليه السّلام - بعد النبوة رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاه ، وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ فلما عدد - سبحانه - صفات عيسى أردفها بهذا الوصف الدال على أرفع الدرجات » « 1 » . تلك هي البشارات التي بشرت بها الملائكة مريم ، وتلك هي بعض صفات مولودها فما ذا كان موقفها من ذلك ؟ لقد حكى القرآن أن موقفها كان يدل على بالغ عجبها ، وشدة تأثرها فقال - تعالى -

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 272 .